<قبل فهرس بعد>

[311]

أبوالقاسم الكوفي في كتاب التبديل أن إسحاق الكندي كان فيلسوف العراق في زمانه أخذ في تأليف تناقض القرآن ، وشغل نفسه ، بذلك ، وتفرد به في منزله ، وإن بعض تلامذته دخل يوما على الامام الحسن العسكري عليه السلام فقال له أبومحمد عليه السلام : أما فيكم رجل رشيد يردع استاذكم الكندي فما أخذ فيه من تشاغله بالقرآن ؟ فقال التلميذ : نحن من تلامذته كيف يجوز منا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره ؟ فقال أبومحمد عليه السلام : أتؤدي إليه ما القيه إليك ؟ قال : نعم ، قال : فصر إليه ، وتلطف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله ، فاذا وقعت الانسة في ذلك فقل : قد حضرتني مسألة أسالك عنها فانه يستدعي ذلك منك فقل له : إن أتاك هذا المتكلم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم به منه غير المعاني التي قد ظننتها أنك ذهبت إليها ؟ فانه سيقول إنه من الجائز لانه رجل يفهم إذا سمع فاذاأوجب ذلك فقل له : فما يدريك لعله قد أراد غير الذي ذهبت أنت إليه ، فتكون واضعا لغير معانيه .

فصار الرجل إلى الكندي وتلطف إلى أن ألقى عليه هذه المسألة ، فقال له : أعد علي ! فأعاد عليه ، فتفكر في نفسه ، ورأى ذلك محتملا في اللغة ، وسائغا في النظر ( 1 ) .

10 - عم : من كتاب أحمد بن محمد بن العياش قال : كان أبوهاشم الجعفري حبس مع أبي محمد عليه السلام كان المعتز حبسهما مع عدة من الطالبيين في سنة ثمان و خمسين ومائتين وقال :

________________________________________________________________

( 1 ) المناقب ج 4 ص 424 ، وبعده : فقال : أقسمت عليك الا أخبرتنى من أين لك ؟ فقال : انه شئ عرض بقلبى فأوردته عليك فقال : كلا ، ما مثلك من اهتدى إلى هذا ولا من بلغ هذه المنزلة فعرفنى من أين لك هذا ؟ فقال : أمرنى به أبومحمد ، فقال : الان جئت به ، وما كان ليخرج مثل هذا الامن ذلك البيت ، ثم انه دعا بالناروأحرق جميع ما كان ألفه .

[312]

حدثنا أحمد بن زياد الهمداني عن علي بن إبراهيم بن هاشم ، عن داود بن القاسم قال : كنت في الحبس المعروف بحبس خشيش في الجوسق الاحمر أنا والحسن ابن محمد العقيقي ومحمد بن إبراهيم العمري وفلان وفلان إذ دخل علينا أبومحمد الحسن وأخوه جعفر فحففنا به ، وكان المتولي لحبسه صالح بن وصيف وكان معنا في الحبس رجل جمحي يقول : إنه علوي ، قال : فالتفت أبومحمد فقال : لولا أن فيكم من ليس منكم لاعلمتكم متى يفرج عنكم ، وأمأ إلى الجمحي أن يخرج فخرج .

فقال أبومحمد : هذاالرجل ليس منكم فاحذروه ، فان في ثيابة قصة قد كتبها إلى السلطان يخبره بما تقولون فيه ، فقام بعضهم ففتش ثيابه ، فوجد فيها القصة يذكرنا فيها بكل عظيمة ( 1 ) .

بيان : الظاهر أن في التاريخ اشتباها وتصحيفا فان المعتز قتل قبل ذلك بأكثر من ثلاث سنين ، وأيضا ذكرفيه أن هذا الحبس كان بتحريك صالح بن وصيف وقتل هو أيضا قبل ذلك بسنتين وأو أكثر فالظاهر اثنين أو ثلاث وخمسين ، أو كان المعتمد مكان المعتز فان التاريخ يوافقه لكن لم يكن صالح في هذا التاريخ حيا .

وفي القاموس " الجوسق " القصر وقلعة ، ودار بنيت للمقتدر في دار الخلافة في وسطها بركة من الرصاص ثلاثون ذراعا في عشرين ( 2 ) .

11 - مهج : من كتاب الاوصياء لعلي بن محمد بن زياد الصيمري قال : لما هم المستعين في أمر أبي محمد عليه السلام بماهم وأمر سعيد الحاجب بحمله إلى الكوفة ، و أن يحدث عليه في الطريق حادثة انتشر الخبر بذلك في الشيعة فأقلقهم ، وكان بعد مضي أبي الحسن عليه السلام بأقل من خمس سنين .

فكتب إليه محمد بن عبدالله والهيثم بن سيابة : بلغنا جعلنا الله فداك خبر أقلقنا وغمنا ، وبلغ منا فوقع : بعد ثلاث يأتيكم الفرج ، قال : فخلع المستعين في

________________________________________________________________

( 1 ) اعلام الورى ص 354 .

( 2 ) القاموس ج 3 ص 217 .

[313]

اليوم الثالث ، وقعد المعتز وكان كما قال ( 1 ) .

وروى أيضا الصيمري في الكتاب المذكور في ذلك ما هذا لفظه ، وحدث محمد عمر الكاتب عن علي بن محمد بن زياد الصيمري صهر جعفر بن محمود الوزير على ابنته ام أحمد وكان رجلا من وجوه الشيعة وثقاتهم ومقدما في الكتاب والادب و العلم والمعرفة .

قال : دخلت على أبي أحمد عبيد الله بن عبدالله بن طاهر ، وبين يديه رقعة أبي محمد عليه السلام فيها : إني نازلت الله عزوجل في هذا الطاغي يعني المستعين ، وهو آخذه بعد ثلاث ، فلما كان في اليوم الثالث خلع ، وكان من أمره ما رواه الناس في إحداره إلى واسط وقتله ( 2 ) .

وروى الصيمري أيضا عن أبي هاشم قال : كنت محبوسا عند أبي محمد في حبس المتهدي فقال لي : يا أبا هاشم إن هذا الطاغي أراد أن بعث بالله عزوجل في هذه الليلة وقد بترالله عمره ، وجعلته للمتولي بعده ، وليس لي ولد سيرزقني الله ولدا بكرمه ولطفه ، فلما أصبحنا شغب الاتراك على المهتدي وأعانهم الامة لما عرفوا من قوله بالاعتزال القدر ، وقتلوه ونصبوا مكانه المعتمد ، وبايعوا له ، وكان المهتدي قد صحح العزم على قتل أبي محمد عليه السلام فشغله الله بنفسه حتى قتل ، ومضى إلى أليم عذاب الله ( 3 ) وروي أيضا عن الحميرى عن الحسن بن علي بن إبراهيم بن مهزيار ، عن محمد بن أبي الزعفران ، عن ام أبي محمد عليهما السلام قال : قال لي يوما من الايام تصيبني في سنة ستين ومائتين حزازة أخاف أن أنكب منها نكبة ، قالت : وأظهرت الجزع وأخذني البكاء ، فقال : لابد من وقوع أمر الله ، لاتجزعي .

فلما كان في صفر سنة ستين أخذها المقيم والمقعد ، وجعلت تخرج في الاحايين إلى خارج المدينة ، وتجسس الاخبار حتى ورد عليها الخبر ، حين حبسه المعتمد

________________________________________________________________

( 1 ) مهج الدعوات ص 341 .

( 2 ) مهج الدعوات ص 342 .

( 3 ) مهج الدعوات ص 343

[314]

في يدعى علي بن جرين وحبس جعفرا أخاه معه وكان المعتمد يسأل عليا عن أخباره في كل وقت فيخبره أنه يصوم النهار ، ويصلي الليل .

فسأله يوما من الايام عن خبره فأخبره بمثل ذلك ، فقال له : امض الساعة إليه وأقرئه مني السلام ، وقل له : انصرف إلى منزلك مصاحبا قال علي بن جرين فجئت إلى باب الحبس فوجدت حمارا مسرجا فدخلت عليه فوجدته جالسا وقد لبس خفه وطيلسانه وشاشته فلما رآني نهض فأديت إليه الرسالة فركب .

فلما استوى على الحمار وقف فقلت له : ما وقوفك يا سيدي ؟ فقال لي : حتى يجئ جعفر ، فقلت : إنما أمرني باطلاقك دونه ، فقال لي : ترجع إليه فتقول له : خرجنا من دار واحدة جميعا فإذا رجعت وليس هو معي كان في ذلك ما لاخفاء به عليك فمضى وعاد ، فقال له : يقول لك : قد أطلقت جعفرا لك لاني حبسته بجنايته على نفسه وعليك ، وما يتكلم به ، وخلى سبيله فصار معه إلى داره ( 1 ) وذكر الصيمري أيضا عن المحمودي قال : رأيت خط أبي محمد عليه السلام لما خرج من حبس المعتمد : " يريدون ليطفؤا نورالله بأفواههم والله متم نوره ولوكره الكافرون " ( 2 ) .

وذكر نصر بن علي الجهضمي وهو من ثقات المخالفين في مواليد الائمة عليهم السلام : ومن الدلائل ماجاء عن الحسن بن علي العسكرى عند ولادة م ح م د ابن الحسن : زعمت الظلمة أنهم يقتلونني ليقطعوا هذا النسل ، كيف رأوا قدرة القادر وسماه المؤكل ( 3 ) .

12 - البرسى : في المشارق عن الحسن بن حمدان ، عن أبي الحسن الكرخي قال : كان أبي بزازا في الكرخ ، فجهزني بقماش إلى سر من رأى ، فلما دخلت

________________________________________________________________

( 1 ) مهج الدعوات ص 343 .

( 2 ) المصدرص 344 .

( 3 ) نفس المصدرص 345 .

وقد رواه الشيخ - قدس سره - في غيبته ص 144 و 149 ، فراجع .

[315]

إليها جاءني خادم فناداني باسمي واسم أبي وقال : أجب مولاك ، قلت : ومن مولاي حتى اجيبه ؟ فقال : ما على الرسول إلا البلاغ .

قال : فتبعته فجاء بي إلى دار عالية البناء لا أشك أنها الجنة ، وإذا رجل جالس على بساط أخضر ، ونور جماله يغشى الابصار ، فقال لي : إن فيما حملت من القماش حبرتين إحداهما في مكان كذا والاخرى في مكان كذا في السفط الفلاني و في كل واحدة منهن رقعة مكتوبة فيها ثمنها وربحها وثمن إحداهما ثلاثة وعشرون دينارا والربح ديناران ، وثمن الاخرى ثلاثة عشر دينارا والربح كالا ولى فاذهب فأت بهما .

قال الرجل : فرجعت فجئت بهما إليه فوضعتهما بين يديه ، فقال لي : اجلس فجلست لا أستطيع النظر إليه إجلا لا لهيبته ، قال : فمديده إلى طرف البساط وليس هناك شئ وقبض قبضة وقال : هذا ثمن حبرتيك وربحهما ، قال : فخرجت وعددت المال في الباب ، فكان المشترى والربح كما كتب والدي لايزيد ولاينقص .

13 - مروج الذهب : قال ذكر محمد بن علي الشريعي وكان ممن بلي بالمهتدي ، وكان حسن المجلس عارفا بأيام الناس وأخبارهم ، قال : كنت أبايت المهتدي كثيرا فقال لي ذات ليلة : أتعرف خبر نوف الذي حكا عن علي بن أبي طالب عليه السلام حين كان يبايته ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين ذكر نوف قال رأيت عليا عليه السلام قد أكثر الخروج والدخول والنظر إلى السماء ثم قال لي يانوف أنائم أنت ؟ قال قلت : بل أرمقك بعيني منذ الليلة يا أميرالمؤمنين .

فقال لي : يانوف طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الاخرة اولئك قوم اتخذوا أرض الله بساطا ، وترابها فراشا ، وماءها طيبا ، والكتاب شعارا ، الدعاء دثارا ثم تركوا الدنياتركا على منهاج المسيح عيسى بن مريم عليه السلام يا نوف إن الله جل وعلا أوحى إلى عبده المسيح أن قل لبني إسرائيل لا تدخلوا بيوتي إلا بقلوب خاضعة ، وأبصار خاشعة ، وألف نقية ، وأعلمهم أني

[316]

لا اجيب لا حد منهم دعوة ، ولا حد قبله مظلمة ( 1 ) قال محمد بن علي : فوالله لقد كتب المهتدي الخبربخطه ولقد كنت أسمعه في جوف الليل وقد خلابربه وهو يبكي ويقول : يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الاخرة إلى أن كان من أمر مع الا تراك ما كان .

اقول : روي في بعض مؤلفات أصحابنا عن علي بن عاصم الكوفي لاعمى قال : دخلت على سيدي الحسن العسكري فسلمت عليه فرد علي السلام وقال : مرحبا بك يا ابن عاصم اجلس هنيئا لك يا ابن عاصم أتدري ما تحت قدميك ؟ فقلت : يامولاي إني أرى تحت قدمي هذا البساط كرم الله وجه صاحبه ، فقال لي : يا ابن عاصم اعلم أنك على بساط جلس عليه كثير من النبيين والمرسلين ، فقلت : يا سيدي ليتني كنت لا افارقك ما دمت في دار الدنيا ثم قلت في نفسى ليتني كنت أرى هذا البساط فعلم الامام عليه السلام ما في ضميري فقال : ادن مني فدنوت منه فمسح يده على وجهي فصرت بصيرا باذن الله .

قال : هذا قوم أبينا آدم ، وهذا أثر هابيل ، وهذا أثر شيث ، وهذا أثر إدريس وهذا أثر هود ، وهذا أثر صالح ، وهذا أثر لقمان ، وهذا أثر إبراهيم ، وهذا أثر لوط ، وهذا أثر شعيب وهذا أثر موسى ، وهذا أثر داود ، وهذا أثر سليمان ، وهذا أثر الخضر ، وهذا أثر دانيال ، وهذا أثر ذي القرنين ، وهذاأثر عدنان ، وهذا أثر عبدالمطلب وهذاأثر عبدالله ، وهذا أثر عبد مناف ، وهذاأثر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وهذاأثر جدي علي بن أبي طالب عليه السلام .

-بحار الانوار مجلد: 46 من ص 316 سطر 19 الى ص 325 سطر 5 قال علي بن عاصم : فأهويت على الاقدام كلها فقبلتها ، وقبلت يد الامام عليه السلام وقلت له : إني عاجز عن نصرتكم بيدي ، وليس أملك غير موالاتكم والبراءة من أعدائكم ، واللعن لهم في خلواتي ، فكيف حالي يا سيدي ؟ فقال عليه السلام : حدثني أبي عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله قال : من ضعف على نصرتنا أهل البيت ولعن في خلواته أعداءنا بلغ الله صوته إلى جميع الملائكة ، فكلما لعن أحد كم أعداءنا

________________________________________________________________

( 1 ) تراها في نهج البلاغة تحت الرقم 104 من الحكم والمواعظ .

[317]

صاعدته الملائكة ، ولعنوا من لايلعنهم ، فاذا بلغ صوته إلى الملائكة استغفروا له وأثنوا عليه ، وقالوا : اللهم صل على روح عبدك هذا الذي بذل في نصرة أوليائه جهده ولو قدر على أكثر من ذلك لفعل ، فإذا النداء من قبل الله تعالى يقول : يا ملائكتي إني قد أحببت دعاء كم في عبدي هذا ، وسمعت نداء كم وصليت على روحه مع أرواح الابرار ، وجعلته من المصطفين الاخيار .

14 - قب : كتب أبومحمد عليه السلام إلى أهل قم وآبة : ( 1 ) إن الله تعالى بجوده ورأفته قد من على عباده بنبيه محمد بشيرا ونذيرا ، ووفقكم لقبول دينه وأكرمكم بهدايته ، وغرس في قلوب أسلافكم الماضين رحمة الله عليهم وأصلابكم الباقين تولى كفايتهم وعمرهم طويلا في طاعته ، حب العترة الهادية ، فمضى من مضى على وتيرة الصواب ، ومنهاج الصدق ، وسبيل الرشاد .

فوردوا موارد الفائزين ، اجتنوا ثمرات ما قدموا ، ووجدوا غب ما أسلفوا .

ومنها : فلم يزل نيتنا مستحكمة ، ونفوسنا إلى طيب آرائكم ساكنة والقرابة الواشجة بيننا وبينكم قوية .

وصية اوصي بها أسلافنا وأسلافكم ، وعهد عهد إلى شباننا ومشايخكم ، فلم يزل على جملة كاملة من الاعتقاد ، لما جعلنا الله عليه من الحال القريبة ، والرحم الماسة ، يقول العالم سلام الله عليه إذ يقول " المؤمن أخو المؤمن لامه وأبيه " ( 2 ) ومما كتب عليه السلام إلى علي بن الحسين بن بابويه القمي واعتصمت بحبل الله بسم الله الرحمن الرحيم والحمدلله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، والجنة للموحدين والنار للملحدين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، ولا إله إلا الله أحسن الخالقين ، والصلاة على خير خلقه محمد وعترته الطاهرين

________________________________________________________________

7 ( 1 ) آبة : بليدة تقابل ساوة ، تعرف بين العامة بآوه قاله الحموى في معجم البلدان .

( 2 ) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 425 .

[318]

منها : وعليك بالصبر وانتظار الفرج ، فان النبي صلى الله عليه وآله قال : أفضل أعمال امتى انتظار الفرج ، ولا تزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشربه النبي صلى الله عليه وآله " يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما " فاصبر يا شيخي يا أبا الحسن على أمر جميع شيعتي بالصبر فإن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ، والسلام عليك وعلى جميع شيعتنا ، ورحمة الله وبركاته ، وصلى الله على محمد وآله .

( 1 ) 15 - كش : علي بن محمد بن قتيبة ، عن أحمد بن إبراهيم المراغي قال : ورد على القاسم بن العلا نسخة ما كان خرج من لعن ابن هلال ، وكان ابتداء ذلك أن كتب عليه السلام إلى قوامه بالعراق : احذروا الصو في المتصنع .

قال : وكان شأن أحمد بن هلال أنه قد كان حج أربعا وخمسين حجة عشرون منها على قدميه ، قال : وكان رواة أصحابنا بالعراق لقوه وكتبوا منه .

فأنكروا ما ورد في مذمته ، فحملوا القاسم بن العلا على أن يراجع في أمره .

فخرج إليه : " قد كان أمرنا نفذ إليك في المتصنع ابن هلال لارحمه الله بما قد علمت لم يزل لا غفر الله له ذنبه ، ولا أقاله عثرته ، دخل في أمرنا بلا إذن منا ولا رضى يستبد برأيه فيتحامى من ديوننا ، لا يمضي من أمرنا إياه إلا بما يهواه ويريد أرداه الله في نار جهنم ، فصبرنا عليه حتى بترالله عمره بدعوتنا .

وكنا قد عرفنا خبره قوما من موالينا في أيامه لارحمه الله ، أمرنا هم بالقاه ذلك إلى الخلص من موالينا ، ونحن نبرء إلى الله من ابن هلال لارحمه الله ، وممن لايبرء منه .

وأعلم الاسحاقي سلمه وأهل بيته مما أعلمناك من حال أمر هذا الفاجر وجميع من كان سألك ويسألك عنه ، من أهل بلده ، والخارجين ، ومن كان يستحق أن يطلع على ذلك ، فانه لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يؤديه

________________________________________________________________

( 1 ) المصدرص 425 و 426

[319]

عنا ثقاتنا ، قد عرفوا بأننا نفاوضهم سرنا ، ونحمله إياه إليهم ، وعرفنا ما يكون من ذلك إنشاء الله " .

قال : وقال أبوحامد : فثبت قوم على إنكار ما خرج فيه ، فعاودوه فيه ، فخرج " لا شكر الله قدره لم يدع المرزئة بأن لا يزيغ قلبه بعد أن هداه ، وأن يجعل ما من به عليه مستقرا ، ولا يجعله مستودعا ، وقد علمتم ما كان من أمر الدهقان عليه لعنة الله وخدمته وطول صحبته ، فأبدله الله بالايمان كفرا حين فعل ما فعل ، فعا جله الله بالنقمة ولم يمهله " ( 1 ) .

16 - كش : حكى بعض الثقات بنيسابور أنه خرج لاسحاق بن إسماعيل من أبي محمد عليه السلام توقيع : يا إسحاق بن إسماعيل سترنا الله وإياك بستره ، وتولاك في جميع امورك بصنعه قد فهمت كتابك رحمك الله ، ونحن بحمد الله ونعمته أهل بيت نرق على موالينا ، ونسر بتتابع إحسان الله إليهم وفضله لديهم ، ونعتد بكل نعمة ينعمها الله عزوجل عليهم .

فأتم الله عليكم بالحق ومن كان مثلك ممن قد رحمه وبصره بصيرتك ، ونزع عن الباطل ، ولم يعم ( 2 ) في طغيانه بعمه ، فإن تمام النعمة دخولك الجنة ، وليس من نعمة وإن جل أمرها وعظم خطرها إلا والحمد لله تقدست أسماؤه عليها يؤدى شكرها .

وأنا أقول : الحمدلله مثل ما حمد الله به حامد إلى أبدا لابد ، بما من به عليك من نعمته ، ونجاك من الهلكة وسهل سبيلك على العقبة ، وأيم الله إنها لعقبة كؤد شديد أمرها ، صعب مسلكها ، عظيم بلاؤها ، طويل عذابها ، قديم في الزبر الاولى ذكرها .

ولقد كانت منكم امور في أيام الماضي إلى أن مضى لسبيله صلى الله على روحه وفي أيامي هذه كنتم فيها غير محمودي الشأن ولا مسددي التوفيق ، واعلم يقينا

________________________________________________________________

( 1 ) رجال الكشى ص 449 و 450 ( 2 ) ولم يقم خ ل .

[320]

يا إسحاق أن من خرج من هذه الحياة الدنيا أعمى فهو في الاخرة أعمى وأضل سبيلا .

إنها يا ابن اسماعيل ليس تعمى الابصار ، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وذلك قول الله عزوجل في محكم كتابه للظالم ، رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا " قال الله عزوجل " كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى " ( 1 ) وأي آية يا إسحاق أعظم من حجة الله عزوجل على خلقه ، وأمينه في بلاده ، و شاهد على عباده ، من بعد ما سلف من آبائه الاولين من النبيين وآبائه الاخرين من الوصيين ، عليهم أجمعين رحمة الله وبركاته .

فأين يتاه بكم ؟ وأين تذهبون كالا نعام على وجوهكم ؟ عن الحق تصدفون وبالباطل تؤمنون ، وبنعمة الله تكفرون ، أو تكذبون ، فمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم ومن غير كم إلا خزي في الحياة الدنيا الفانية ، وطول عذاب الاخرة الباقية ، وذلك والله الخزي العظيم .

إن الله بفضله ومنه لما فرض عليكم الفرائض ، لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليكم ، بل رحمة منه لا إله إلا هو عليكم ، ليميز الله الخبيث من الطيب وليبتلي ما في صدور كم ، وليمحص ما في قلوبكم ولتألفوا ( 2 ) إلى رحمته ، ولتتفاضل منارلكم في جنته .

ففرض عليكم الحج والعمرة وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والصوم ، و الولاية ، وكفابهم لكم بابا ليفتحوا أبواب الفرائض ، ومفتاحا إلى سبيله ، ولولا محمد صلى الله عليه وآله والاوصياء من بعده لكنتم حيارى كالبهائم ، لاتعرفون فرضا من الفرائض وهل يدخل قرية إلا من بابها .

فلما من عليكم باقامة الاولياء بعد نبيه ، قال الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه وآله

________________________________________________________________

( 1 ) طه : 126 .

( 2 ) ولتتسا بقوا ، خ ل .

<قبل فهرس بعد>